الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
373
مناهل العرفان في علوم القرآن
وقال العلامة نظام الدين النيسابوري ما نصه : « وقال جماعة من الأئمة إن الواجب على القراء والعلماء وأهل الكتابة أن يتبعوا هذا الرسم في خط المصحف ؛ فإنه رسم زيد بن ثابت ، وكان أمين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكاتب وحيه » . وقال البيهقي في شعب الإيمان : « من كتب مصحفا ينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف ولا يخالفهم فيه ولا يغير مما كتبوه شيئا ؛ فإنهم كانوا أكثر علما وأصدق قلبا ولسانا وأعظم أمانة ، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم » ا ه . ويمكن مناقشة هذا الرأي الأول بأن الأدلة التي ساقوها لا تدل على تحريم كتابة القرآن بغير هذا الرسم ؛ إذ ليس فيها زجر الإثم ووعيده ، ولا نهى الحرام وتهديده . إنما قصاراها الدلالة على جواز الكتابة بالرسم العثماني ووجاهته ودقّته . وذلك محلّ اتفاق وتسليم . الرأي الثاني : أن رسم المصاحف اصطلاحى لا توقيفى ، وعليه فتجوز مخالفته . وممن جنح إلى هذا الرأي ابن خلدون في مقدمته . وممن تحمّس له القاضي أبو بكر في الانتصار إذ يقول ما نصه : « وأما الكتابة فلم يفرض اللّه على الأمة فيها شيئا ، إذ لم يأخذ على كتّاب القرآن وخطّاط المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم وترك ما عداه ، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف . وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه ، أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص وحد محدود لا يجوز تجاوزه ، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه ، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك ، ولا دلّت عليه القياسات الشرعية .